الشيخ السبحاني
210
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
قوله سبحانه في ذيل الحديث : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى . فإنّ ظاهرها أنّ لكل إنسان الخيار بين الإعطاء والاتقاء والتصديق بالحسنى ، وضدها . فهذه الرواية عن عليّ ( عليه السّلام ) تعرب عن أنّ كثيرا من روايات القدر ، إمّا منحوتة وموضوعة على لسان رسول اللّه بهذا المعنى الذي شرحناه ، أو منقولة بغير وجهها . أضف إلى ذلك أنّ الروايات مخالفة للفطرة الإنسانية التي فطر اللّه كل إنسان عليها . ولأجل ذلك نرى أنّ أصحاب النبي بعد ما سمعوا حقيقة القدر على الوجه الذي جاء في الرواية ، استوحشوا ، فقالوا : « ففيم العمل يا رسول اللّه ، إن كان أمر قد فرغ منه » . وما أجيبوا به من قوله ( صلّى اللّه عليه وآله ) : سدّدوا وقاربوا إلخ ، ليس جوابا قالعا للشبهة ورافعا للإشكال « 1 » . كما أنّ الإجابة بأن كلّا ميسّر لما خلق ، لا يحل العقدة إن لم يزدها تعقيدا . فإنّ مفاده أنّ أهل السعادة ميسرون للسعادة التي خلقوا لها وأهل الشقاء للشقاء الذي خلقوا له . وهذا نفس الإشكال الذي تردد في نفس السائل . وفي ذيل رواية عمران بن حصين يظهر أنّ القدر بالمعنى الوارد في الرواية مظنة كونه ظلما للعباد ، وأنّ أبا الأسود الدؤلي فزع منه فزعا شديدا ، والجواب الذي ذكره أبو الأسود من أنّ كل شيء خلق اللّه وملك يده فلا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ، لا يرد الشبهة بل يؤكّدها . إنّ للعقيدة الإسلامية سمة البساطة لا التعقيد ، وسهولة التكليف لا مشقته . أفي ميزان النّصفة يتّسم القدر - بهذا المعنى - بالبساطة والسهولة ؟ ! وسيوافيك أن يد الأحبار والرهبان لعبت في هذا المجال ، وأنهم هم الذين أوردوا القدر بهذا المعنى إلى الساحة الإسلامية ، وغيّروا ما عليه الكتاب
--> ( 1 ) لاحظ الحديث رقم ( 6 ) مما أوردنا فيما مضى .